محمد الأمين الأرمي العلوي

11

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

فَإِذا هم ؛ أي : أهل أنطاكية خامِدُونَ أي : قوم خامدون ؛ أي : ميتون لا يسمع لهم حسّ ، ولا يشاهد لهم حركة ، شبّهوا بالنار الخامدة رمزا إلى أن الحي كالنار الساطعة في الحركة والالتهاب ، والميت كالرماد ، يقال : خمدت النار إذا سكن لهبها ولم ينطفئ جمرها ، وهمدت إذا طفئ جمرها قال في « الكواشي » : لم يقل : هامدون وإن كان أبلغ لبقاء أجسادهم بعد هلاكهم . و ( إذا ) فجائية « 1 » ؛ أي : فاجأهم الخمود إثر الصيحة ، لم يتأخر ووقعت « 2 » الصيحة في اليوم الثالث من قتل حبيب والرسل ، أو في اليوم الذي قتلوهم فيه . وفي رواية ، في الساعة التي عادوا فيها بعد قتلهم إلى منازلهم فرحين مستبشرين ، وإنما عجّل اللّه عقوبتهم ، غضبا لأوليائه الشهداء ، ولم يذكر لنا الكتاب الكريم ، كيف كانت الصيحة ، ولا كيف نزل بهم العذاب . وتفصيل ذلك لا يعنينا ، فالعبرة تحصل بدون بيانه ، إذ المراد : انتقام اللّه وعذابه لمن كذب أولياءه على أي نحو كان ذلك العذاب . نسأل اللّه سبحانه أن يحفظنا من موجبات غضبه وسخطه وعذابه . وقرأ الجمهور « 3 » : صَيْحَةً بالنصب ، على أن ( كان ) ناقصة ، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق ، كما قدمنا . وقرأ أبو جعفر ، وشيبة ، والأعرج ومعاذ القارئ صيحة بالرفع على أنّ ( كان ) تامة ؛ أي : ما حدثت أو ما وقعت إلا صيحة واحدة . وكان الأصل أن لا يلحق التاء ؛ لأنه إذا كان الفعل مسندا إلى ما بعد إلا من المؤنث لم تلحق العلامة للتأنيث ، فيقال : ما قام إلا هند ، ولا يجوز ( ما قامت إلا هند ) عند أصحابنا إلا في الشعر . وجوّزه بعضهم في الكلام على قلّة ، ومثله قراءة الحسن ، ومالك بن دينار ، وأبي رجاء ، والجحدري ، وقتادة ، وأبي حيوة ، وابن أبي عبلة ، وأبي بحرية لا ترى إلا مساكنهم بالتاء . والقراءة المشهورة لا يرى بالياء ، فأنكر أبو حاتم ، وكثير من النحويين هذه القراءة ، أعني : قراءة الرفع ، بسبب لحوق تاء التأنيث في قوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً . قال أبو حاتم : فلو كان كما قرأ أبو جعفر . . لقال : إن

--> ( 1 ) البحر المحيط . ( 2 ) روح البيان . ( 3 ) البحر المحيط والشوكاني .